الفصل الثاني والعشرون: صحة الأكبر سناً وأمراضهم

يبحث هذا الفصل الوقاية من المشكلات التي يعاني منها الناس الأكبر سناً بشكل خاص ، كما يبحث طرق معالجة هذه المشكلات.


خلاصة المشكلات الصحية التي بحثت في فصول أخرى

صعوبات الرؤية
يصاب الكثير من الناس بعد تجاوز سن الأربعين بصعوبة في رؤية الأشياء القريبة بوضوح ، إذ يرونها بشكل أوضح من على مسافة أبعد. وهذا ما يشار إليه ب "بعد النظر". وغالباً ما تساعدهم النظارات.
يجب مراقبة علامات ارتفاع ضغط العين أو "الجلوكوما"، أو ارتفاع ضغط العين (والمعروفة أيضاً باسم "المياه الزرقاء" في مصر و"الماء السوداء" في بلاد الشام ) - عند كل شخص تجاوز الأربعين.

وارتفاع ضغط العين يمكن أن يؤدي إلى فقدان النظر إن لم يعالج. ويتوجب استشارة الطبيب بحال وجود علامات ارتفاع ضغط العين.
وتتضمن مشكلات النظر الأخرى الشائعة عند المتقدمين في السن : "الكتركت أو العدسة الكدرة " (والمعروف باسم "الماء الأزرق" في بلاد الشام و"المياه البيضاء" في مصر)، وظاهرة "الذباب أمام العينين " (والمقصود هنا البقع الصغيرة المتحركة).

الضعف ، والوهن ، وعادات الأكل
يصبح المتقدمون في السن أقل حيوية وقوة. ولكن ضعفهم يزداد أكثر حين لا يتناولون غذاءً جيداً. ومع أنهم لا يأكلون كثيراً فإن عليهم أن يتناولوا شيئاً من أطعمة بناء الجسم وحمايته كل يوم.
يتحسن مستوى تغذية الكبار إذا هم اهتموا بسلامة أسنانهم الطبيعية أو الاصطناعية (وجبة الأسنان).

انتفاخ القدمين
الأمراض التي تسبب انتفاخ القدمين متعددة ، ولكن كثيراً ما يكون السبب هو ضعف الدورة الدموية أو اضطرابات في القلب. إن أفضل علاج هو رفع القدمين مهما كان سبب الانتفاخ. والمشي يساعد كذلك ولكن يجب عدم الوقوف أو الجلوس لمدة طويلة
والقدمان متدليتان. إرفعوا أقدامكم كلما أمكن.

القروح المزمنة في الساق والقدم

سبب هذه القروح في معظم الحالات هو سوء الدورة الدموية أو الدوالي. وقد يكون مرض السكري أحد الأسباب جزئياً.
إن شفاء القروح الناتجة عن سوء الدورة الدموية يلزمه وقت طويل.
يجب المحافظة على نظافة القروح قدر المستطاع : نغسلها بالماء النظيف (المغلي والمبرد) والصابون ، ونغيّر الضمادات مراراً. إذا ظهرت علامات أي التهاب فيجب اتباع العلاج المذكور.
إرفعوا أقدامكم عند الجلوس أو النوم.

الصعوبة في التبويل
الرجل المتقدم في السن الذي يجد صعوبة في التبويل أو الذي يتقطع عنده البول أو يسيل تلقائياً (بدون تحكم به )، يمكن أن يكون مصاباً بتضخم في غدة البروستاته.

السعال المزمن
إن على الإنسان المتقدم في العمر والذي يكثر سعاله أن يمتنع عن التدخين وأن يستشير الطبيب. إذا كانت هناك علامات على إصابته بمرض السل في شبابه أو كان السعال مصحوباً بالدم ، فقد يكون ذلك علامة على مرض السل. كذلك ، فالسعال المصحوب بالدم قد يدل على الإصابة بسرطان الرئة.

إذا كان سعال المسن مصحوب بصفير أو ضيق في النفس ، أو كان هناك انتفاخ في قدميه ، فربما كان ذلك علامة على اضطرابات في القلب.

ألم المفاصل (روماتزم المفاصل ، أو التهاب المفاصل)
ويعرف أيضاً في بعض المناطق باسم "الرطوبة ".
التهاب المفاصل يصيب الكثير من المتقدمين بالسن.
للتخفيف من الآلام ينبغي :
- إراحة المفصل المؤلم.
- استعمال الكمادات الدافئة.

- استخدام الأدوية المسكنة للألم وأفضلها الأسبيرين. وفي حال الالتهابات الشديدة : نتناول قرصين أو ثلاثة أقراص من الأسبيرين كل أربع ساعات أي 6 مرات يومياً، مع كربونات الصودا أو مضادات الحموضة ، أو اللبن / الحليب أو الكثير من الماء . ( يجب تخفيف جرعة الأسبيرين إذا حدث رنين في الأ ذنين ).
- من المهم أن نمرن المفصل المصاب حتى يحافظ على أكبر قدر ممكن من حركته.


أمراض مهمة أخرى مرتبطة بالتقدم في السن

اضطرابات القلب
تزداد مشكلات القلب عند الكبار في السن ، وخصوصاً عند أولئك الذين يعانون البدانة ، والمدخنين ، والمصابين بارتفاع ضغط الدم أو ارتفاع في مستوى الكولسترول في الدم.

علامات مشكلات القلب:

المعالجة:
- أمراض القلب المختلفة تحتاج إلى أدوية محددة ومختلفة. يجب استخدام هذه الأدوية بحذر ودقة كبيرة. إن الاشتباه بأن شخصاً ما يعاني مشكلة قلبية يستدعي طلب المساعدة الطبية. إن إعطاء الدواء في الوقت المناسب مهم جداً.
- على المصاب باضطرابات في القلب ألا يجهد نفسه بالعمل إلى الحد الذي يؤدي إلى حصول آلام في الصدر أو ضيق في التنفس. لكن التمارين الخفيفة المنتظمة تساعد على منع النوبة القلبية.
- يجب أن يمتنع المصاب بمشكلات قلبية عن المأكولات الدسمة ، ويجب أن يخفف من وزنه إذا كان وزنه أكثر من المعدل ، وأن يمتنع عن التدخين وشرب الكحول.
- إذا بدأ الشخص المتقدم ني السن يشعر بنوبات من ضيق التنفس أو انتفاخ في القدمين فإن عليه أن يمتنع من تناول الملح أو الطعام المملح.
- وقد يفيد تناول حبة من الأسبيرين يومياً في الوقاية من الذبحة القلبية أو الجلطة الدموية.
- يجب أن يستريح الشخص الذي يصاب بنوبة أو بذبحة صدرية حتى يزول الألم.

إذا بقيت آلام الصدر شديدة ولم تنفعه الراحة أو ظهرت عليه علامات الصدمة فغالباً ما يكون السبب عطلاً شديداً في القلب. وعلى المصاب ملازمة الفراش والتزام الراحة الكاملة لأسبوع أو كثر حتى تزول الآلام أو الصدمة. بعد ذلك يبدأ بالجلوس والتحرك ببطء، شرط أن يبقى هادئاً لمدة شهر على الأقل. يجب استشارة الطبيب.

كلمات موجهة إلى الناس الأصغر سناً والذين يريدون البقاء أصحاء في الكبر

المشكلات الصحية التي تظهر في الكبر والشيخوخة ( بما فيها ارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين وأمراض القلب والجلطة الدماغية) غالباً ما تكون نتيجة لأسلوب حياة الإنسان، ونتيجة ما أكل وشرب ودخّن في شبابه.

إن الأمل في حياة سليمة وصحية مديدة يزدادا إذا اتبعنا النصائح الآتية:
1- نأكل بشكل جيد : نأكل ما يكفي من الأطعمة المغذية غير الدسمة أو المالحة. نتجنب زيادة الوزن المفرطة أو السمنة
2- لا ندخن ولا نشرب الكحول.
3- نحافظ على نشاطنا الجسدي والعقلي.
4- نأخذ قشطاً وافراً من الراحة والنوم.
5- نتعلم كيف نرتاح ونعالج الأمور المزعجة أو المقلقة بإيجابية.
إن من الممكن تجنب أو تخفيف ارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين (وهما السببان الرئيسيان لأمراض القلب والجلطة الدماغية ) إذا اتبعنا النصائح السابقة.
إن خفض ضغط الدم المرتفع ضروري جداً للوقاية من أمراض القلب والجلطة ومنعها. ويتوجب على كل من يعاني من ارتفاع في ضغط الدم أن يفحص نفسه بين وقت وآخر وأن يبذل كل جهد لخفضه. ويمكن أن يخفض الإنسان ضغطه ، ويقلل الأكل (إذا كان بدن )، والتوقف عن التدخين ، والقيام بالتمارين ، وتعلم كيف يستريح ، والاستفادة من أوقات الراحة ، وتقليل الملح في الطعام . أما إن لم تنفع هذه الوسائل فقد ينفعه استعمال الأدوية التي تخفّض الضغط.

الجلطة ( السكتة القلبية ، جلطة في المخ)

تصيب الجلطة المتقدمين في السن عندما يحدث تخثّر في الدم (تجلط الدم ) ، أو نزيف داخلي في الدماغ. وغالباً ما تكون الجلطة مفاجئة ، من دون سابق إنذار. وقد يقع المصاب على الأرض فاقداً الوعي وكثيراً ما يكون وجهه محمراً وتنفسه خشناً (أجش ) ومضجاً ً (أي يحدث صوتا) ، ونبضه قوي ولكنه بطيء. وقد يظل غائب عن الوعي لساعات أو أيام.
إذا ما قدر له أن يعيش فقد يصاب بصعوبات في النطق أو الرؤية أو التفكير، ويمكن أن يصاب جانب من جسمه أو وجهه بالشلل. إذا كانت الجلطة خفيفة فقد تحدث كل هذه العواقب من دون أن يفقد المصاب وعيه. إن الصعوبات الناتجة عن الجلطة يمكن أن تتحسن مع مضي الوقت ، فى بعض الحالات.

المعالجة:
نضع المصاب في فراشه ونجعل رأسه أعلى بقليل من قدميه. إذا كان في غيبوبة . نميل رأسه إلى الخلف وندير جسمه إلى الجانب حتى لا يصل لعابه (أو قيؤه ) إلى رئتيه. لا نعطيه أي طعام أو شراب أو دواء طالما بقي فاقد الوعي. نطلب المساعدة الطبية.
بعد الجلطة ، وإذا بقي المصاب مشلولاً شللاً جزئياً ، نساعده على استخدام عصا للمشي وعلى استعمال يده أو ساقه السليمة والاعتماد على نفسه. عليه أن يتجنب الإجهاد والغضب.
الوقاية : انظروا الصفحة السابقة.
ملاحظة : إذا أصاب الشلل جانباً واحداً من وجه شخص متوسط العمر أو شاباً من دون ظهور علامات للجلطة ، فذلك يعني في الغالب شللاً مؤقتاً في أعصاب الوجه (شلل بل )، وغالباً ما يزول مثل هذا الشلل تلقائياً بعد بضعة أسابيع أو أشهر من دون معرفة سبب حدوثه. لا حاجة للعلاج ، ولكن يمكن أن يكون في الكمادات الساخنة بعض الفائدة. وفي حال عدم انفلاق إحدى العينين تماماً نغلقها بضمادة في الليل كي نحميها من الأذى بسبب الجفاف (أو نستعمل قطرة ضد جفاف العين مثل قطرة سليلوس).

الصمم
إن الصمم الذي يحدث تدريجاً من دون ألم أو أي علامات أخرى هو صمم لا يمكن شفاؤه في العادة ، مع إن لسماعة قد تفيد. وهو غالباً ما يصيب الرجال فوق 40 عاماً. ويمكن أن يحدث الصمم بسبب التهاب في الأذن أو إصابة في الرأس ، أو بسبب "شمع الأذن". عن كيفية إزالة الشمع من الأذن.

الصمم مع رنين في الأذنين ودوخة (دوار)
إذا فقد أحد المتقدمين في السن السمع في إحدى أذنيه أو كلتيهما مع دوخة شديدة في بعض الأحيان ورنين أو طنين في أذنيه ، فذلك دلالة بالغالب على إصابته بمرض "مينيير" وهو ناتج عن زيادة السائل الطبيعي داخل الأذن. وقد يشعر المصاب أيضاً بالغثيان أو يتقيأ وقد يكثر تصبب العرق منه. على الشخص المصاب أن يتناول مضاد الهستامين مثل الدايمنهيدرينيت ، (درامامين)، وأن يلزم فراشه حتى تزول العلامات المذكورة. ويجب الامتناع عن تناول الملح مع الطعام . فإن لم تتحسن حال المصاب في وقت قصير أو تكررت العلامات يجب استشارة الطبيب.

الأرق (عدم القدرة على النوم)

من الطبيعي أن تكون حاجة الأكبر سناً إلى ساعات نوم أقل من حاجة الشباب ، وهو قد يستيقظ عدة مرات في الليل. وقد يأرق المسن ساعات عدة ، خاصة في ليالي الشتاء الطويلة.
إن بعض الأدوية يمكن أن يساعد على النوم ولكن يفضل عدم استعمالها إلا في حالات الضرورة القصوى. لأن التعود على هذه الأدوية يجعل من الصعب التخلي عنه.
هنا بعض الاقتراحات التي تساعد على النوم :
- أداء أكبر قدر ممكن من التمارين الرياضية والحركة أثناء النهار.
- عدم تناول القهوة أو الشاي وخصوصاً بعد الظهر أو مساء.
- شرب كوب من الحليب / اللبن الدافئ مع العسل قبل الذهاب إلى النوم.
- أخذ حمام دافئ قبل النوم.
- عدم الإفراط في الأكل في الساعات التي تسبق النوم . وقد قيل "قلل طعامك تحمد منامك".
- في الفراش : محاولة جعل كل جزء من الجسم يسترخي ثم الجسم كله. فكروا في ذكريات طيبة.
- إن لم تنجح هذه الاقتراحات جربوا مضاد الهستامين مثل البروميثازين (فينرغان)، أو الدايمنهيدرينيت (درامامين)، قبل النوم بنصف ساعة. إن خطر التعود على هذه الأدوية أقل من خطر التعود على الأدوية الأقوى.


أمراض تحدث عند الناس بعد الأربعين أكثر من أعمار أخرى

تشمع الكبد (تليف الكبد، لياف الكبد)
في أرياف مصر غالباً ما يكون سبب تشمع الكبد هو مرض البلهارسيا. ويصيب تشمع الكبد أيضاً الرجال فوق الأربعين الذين يسرفون في تعاطي المشروبات الكحولية لسنوات عديدة ويتبعون عادات غذائية سيئة. وقد يصيب الأشخاص الذين عانوا من التهاب الكبد (نوع ب) فى السابق.

- علامات تشمع الكبد تبدأ كما تبدأ علامات التهاب الكبد،< ويرافقها الضعف ، وفقدان الشهية ، وتلبك في المعدة ، وألم في الجانب الأيمن تحت الأضلاع (منطقة الكبد).
- مع تطور الحال ، يزداد نحول المصاب وقد يتقيأ دماً. وفي الحالات الشديدة تنتفخ القدمان والبطن وتمتلئ بالسوائل وتبدو مثل الطبلة. وقد يميل بياض العين والبشر إلى الصفار.

المعالجة
عالجوا البلهارسيا إذا كانت هي سبب تشمع الكبد. وعموماً، من الصعب شفاء تشمع الكبد الشديد. ولا توجد أدوية مفيدة لذلك. ويتوفى معظم الناس المصابين بتشمع الكبد الشديد. إذا كنتم تريدون البقاء على قيد الحياة ، فعليكم بالتالي عند بدء ظهور علامات التشمع الاولى:
- عالجوا البلهارسيا إذا كانت هي السبب.
- لا تشربوا الكحول : الكحول تسمم الكبد.
- اهتموا بتغذيتكم التي يجب أن تحتوي الخضر والفاكهة وشيئاً من البروتين. ولكن لا تسرفوا في تناول البروتينات (اللحوم ، البيض ، السمك . . إلخ )، فهي تتعب الكبد المريض لأنها تحرضه على أن يعمل.
- الامتناع عن أكل الملح إذا ظهر انتفاخ في الجسم.

الوقاية:
- اتبعوا إرشادات الوقاية من البلهارسيا.
- اتبعوا إرشادات الوقاية من التهاب الكبد.
- الوقاية من تشمع الكبد الناجم من شرب الكحول ، امتنعوا عنها.

مشكلات المرارة
المرارة كيس صغير ملتصق بالكبد. وهي تجمع عصارة مرة خضراء اللون اعد على هضم المأكولات الدهنية. وتسمى هذه العصارة "المرة " أو "العصارة الصفراوية ". في معظم الحالات ، فإن مرض المرارة يصيب المرأة البدينة بعد الأربعين من العمر والتي لم تتوقف دورتها الشهرية بعد.

العلامات:
- ألم حاد في المعدة منذ حافة القفص الصدري الأيمن. وقد يصل الألم إلى أعلى الجانب الأيمن من الظهر.
- قد يبدأ الألم بعد ساعة أو أكثر من تناول وجبة غنية بالدسم والدهون. والألم الشديد قد يسبب التقيؤ (الطرش).
- يتجشأ الشخص مع طعم كريه فى فمه.
- يمكن أن ترتفع الحرارة في بعض الأحيان.
- أحياناً يتحول لون العينين إلى الأصفر (يرقان / صفيرة ).

المعالجة:
- الامتناع عن الطعام الدسم. وعلى الشخص البدين أن يمتنع عن أكل وجبات كبيرة من الطعام وأن يخفف وزنه.
- لتهدئة الألم نستعمل مضاداً للتقلص. وغالباً ما تكون المسكنات القوية ضرورية (الأسبيرين لن يفيد في هذه الحال ، على الأرجح).
- تناول التتراسيكلين أوالأمسيلين إذا كانت الحرارة مرتفعة.
- في الحالات الشديدة أو المزمنة : يجب استشارة الطبيب أو العامل الصحي.فالجراحة قد تصبح ضرورية.

الوقاية:
المرأة البدينة يجب أن تخفف وزنها وأن تمتنع عن المأكولات الدسمة أو الحلويات أو الدهنيات ، وأن تخفف من الأكل وأن تقوم بشيء من التمارين الرياضية (ويصح الأمر للرجل ).


تقبل الموت

غالباً ما يكون الإنسان المسن على استعداد لتقبل الموت أكثر من استعداد أحبائه والذين يصغرونه سناً. والحكماء من الناس ، والناس الذين يعيشون حياة حافلة ومرضية يعرفون إن " الموت حق "، ولا يخشونه فهو نهاية طبيعية للحياة.
وكثيراً ما نفعل المستحيل لكي نطيل حياة شخص وهو على فراش الموت ، وبكلفة باهظة . وفي كثير من الحالات ، يزيد هذا من عذاب ومعاناة الشخص وعذاب ومعاناة أهله ، على حد سواء. ويذهب البعض إلى اعتبار الموت "رحمة " به وبهم . وتوجد حالات عدة يكون فيها من الأفضل البقاء بالقرب من الإنسان وهو على فراش الموت ومساعدته ، بدلاً من الجري وراء "أدوية أفضل " و"طبيب أشطر". يجب أن نجعله يعلم أننا نقدر الأوقات الحلوة والأوقات المرة والتي عشناها معه ، ونعتز بها، وأننا نستطيع أيضاً أن نتقبل فكرة غيابه. ففي الساعات الأخيرة ، يكون الحب والقبول والرضا أكثر أهمية من الأدوية.
وغالباً ما يفضل المسنون والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة أن يبقوا في بيوتهم المألوفة ومع أناس يحبونهم بدلاً من البقاء في المستشفى. وقد يعني هذا تقديم موعد الوفاة المحترمة عند بعضهم. وهذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً. إن علينا أن نراعي مشاعر ذلك الإنسان وحاجاته ، وكذلك مشاعرنا وحاجاتنا. وقد تكون معاناة الإنسان وهو على فراش الموت أكبر بكثير حين يعلم كلفة إبقائه على قيد الحياة من حيث تراكم الديون على أهله واحتمال أن يصيبهم الجوع أو الحاجة نتيجة ذلك. وقد يطلب منهم أن يتركوه يموت موتاً طبيعياً. وكثيراً ما يكون قراره هذا قراراً حكيماً.
وقد يأتي الموت خاطفاً، غير متوقع أو قد يطول انتظاره. ولكن كيف نساعد الأشخاص الذين نحبهم على تقبل الموت وتحضير أنفسهم له ؟ إن هذا ليس بالأمر اليسير. وغالباً ما يكون أفضل ما نقوم به هو أن نكون معهم ، نساندهم ونتفهم حاجاتهم ، ونعاملهم بكل مودة ومحبة.
إلا أن وفاة إنسان في شبابه أو طفولته لا يكون هيناً في أي حال. هنا ، يكون للصراحة واللطف أهمية بالغة. فالإنسان الذي يشرف على الموت. ولو كان طفلاً. يستشعر قرب نهايته ، وذلك نتيجة ما يحدث في جسمه ونتيجة الشعور باليأس والخوف الذي يراه في وجوه الأشخاص الذين يحبهم.
إذا طالب الإنسان الذي يحتضر بالحقيقة. مهما كان عمره. فعلينا أن نخبره بمودة وأن نترك في نفسه بصيصاً من الأمل. نبكي إذا كان لا بد من ذلك ، ولكن يجب أن يعلم الإنسان الذي يشرف على الموت أننا نحبه ، وإن هذا الحب له بالذات هو الذي سيمنحنا القوة على أن نتركه يفارقنا، وهذا سيمنحه هو القوة والشجاعة على أن يتقبل فراقنا. إن التعبير عن هذه الأمور لا يحتاج إلى كلمات. بل يكفي أن نشعر بالحاجة إليها ونظهرها.
الموت أمر محتوم ، وهو حق علينا كلنا، وعلى كل كائن حي. ولعل من أهم وظائف الناس العاملين في الصحة مساعدة الناس على تقبل الموت عندما يحين أوانه ويصبح أمراً محتوماً، ومساعدة أهالي الشخص وأحبائه على تحمل ألم الفراق. ولا شك أن نظرة
الأديان إلى الموت وحثها البشر على تقبله وعلى الاعتصام بالصبر والتأمل في معنى الموت والحياة يمكن أن تعزي الإنسان وتمنحه القدرة على التحمل والتأمل والاستمرار في الحياة.