مقدمة الطبعة العربية

مقدمة الطبعة العربية

هناك عدد كبير من كتب لمؤلفين غربيين. يلقي بعضها على مجتمعاتنا نظرة تعليمية ومتعالية، مطالبا ً بتغييرات ليس لها مبرر أو قد يكون مبررها الوحيد أن كاتبها غير قادر على قبول مجتمعات تختلف عن تلك التي نشأ هو فيها. وبعض لكتاب الآخرين يذهب في تطرفه إلى موقف عكسي فيصور مجتمعات البلدان النامية وكأنها جنة النعيم المفقودة في العالم الغربي. يراها مختلفة ويطالب ببقائها على حالها دون تغيير. وكلا الموقفين بعيد كل البعد عن جوهر العلاقة الحية البناءة وعن إمكانية التقدم والنمو.

بين هذين الموقفين المتطرفين, هناك ثالث, ناضج موضوعي ومبني على الإحترام والتبادل. فالخبير الصحي (أو المدرب) يقدم خبرته لأنه طلب منه ذلك. ومهمته ليست تغيير المجتمع الذي يعمل فيه فحسب، بل أيضا ً تنمية الكفاءات الموجودة وتطويرها. غير أنه لكي ينجر في مهمته عليه أن ينظر إلى المجتمع ككيان له خصوصيته وليس كصورة مطابقة لمجتمعه هو.

هكذا تتبلور أكثر فأكثر الفكرة التالية: لكي ندرب علينا أن نبدأ بتدريب أنفسنا على كيفية اكتساب المعرفة. تدريب الدايات مثلا ً يفترض بالمدربة أن تفهم دور المرأة في البيئة التي تعمل فيها، ودور الداية أيضا ً وطبيعة علاقتها المتبادلة مع سائر أبناء قريتها، ومستوى تأهيلها المهني والعلمي, وقدرتها على استيعاب مواد التدريب.

هذا الكتاب يدخل في نطاق هذه النظرة الإيجابية والعلاقة الحية: أصالة في الموقف، بساطة في التعبير, جرأة في تقديم المعلومات، تنمية الكفاءات من ضمن الواقع, احترام البيئة ومعتقداتها.

فى كثر من مكان من الكتاب تؤكد المؤلفة على ضرورة احترام العادات الشائعة وعدم المطالبة بالتخلي عنها إلا إذا كانت ضارة. حينئذ تؤكد وجوب التخلي عنها. في هذه النظرة سعة أفق ورحابة فكر وحس إجتماعي متطور لا نراه عند الكثيرين الذين باسم "الهاجس" العلمي يحاولون تكسير المعتقدات.

خلال عملي في مجال التدريب الصحي. كان يتبادر إلى ذهني على الدوام هذا السؤال البسيط: كيف ندرب؟ كنت أشعر بالحاجة إلى مرجع أساسي في هذا المجال. والمرجع الذي افتقده لا يتعلق بالمواضيع الصحية، فالكتب العلمية كثيرة, بل يتعلق وبصورة خاصة بأصول علامة استفهام دائمة حول مدى معرفتنا بالبيئة التي نعمل فيها. فالبلدان تختلف وكذلك المناطق وأهلها كاختلاف المدن عن الأرياف مثلا ً. وما نراه شائعا ً في بلد ما يكون مستغربا ً في بلد آخر وما يقبل منا يرفض هناك إلخ. . . اختلافات لا بد لكل عامل في التدريب من ملاحظتها بنفسه والتفاعل معها بصورة دائمة.

هكذا وخلال كثر من عشر سنوات قضيتنها في مجال التدريب في مختلف البلدان العربية يمكنني القول أن كل منطقة كانت تفرض علي أصولا ً خاصة في
التدريب وأني تعلمت الكثير وأول شي تعلمته يتلخص في ما يلي:

لكي ندرب علينا أولا ً أن نتدرب على التعلم من البيئة التي نعمل فيها. وبقدر ما نتعلم يمكننا أن ندرب. فالناس الذين نزودهم المعرفة العلمية يزودوننا معرفة من نوع آخر، يعرفوننا بطبيعة البيئة الإجتماعية والصحية التي يعيشون فيها ويعرفوننا أيضا ً بتقاليدهم وعاداتهم وطرق معيشتهم. هذا النوع من التبادل يساعد على نشوء علاقة حية وبناءة بين المدرب والمتدربين.

يتحدث هذا الكتاب عن تدريب الدايات التقليديات (أو "الجدات" في اليمن). وتدريب الدايات يتطلب من الدقة والدراية أكثر ما يتطلبه تدريب أي فئة أخرى عاملة في الميدان الصحي. حين نقابل الداية في الريف نحس بجذورها العميقة المتأصلة في تربة المعتقدات والتقاليد. وهي تمثل مجتمعها خير تمثيل. ولا شك في أنها ذات طويل وثقة بالنفس اكتسبتها من الدور الهام والحيوي الذي تقوم به أبناء القرية جميعا ً ولدو ا بمساعدتها... وعدد آخر من الدايات تدربن على أيديها.

لا بد أن أوضح للقارئ التعديلات الجزئية التي أجريت عليه. فإذا قارنا النص العربي بالنص الإنكليزي بدا الفارق للوهلة الأولى كبيرا ً. لكن الإختلاف في حقيقة الأمر لا يقع في جوهر المعلومات بل في تنظيمها, ونقل بعضها من عنوان إلى آخر أو جمعها أحيانا ً تحت عنوان واحد حسب مستلزمات الموضوع. إضافة إلى إلغاء التكرار غير الضروري أو إعطاء بعض الأمثلة أو التعليقات التي رأينا أن إضافتها مفيدة للطبعة العربية. وأضفنا كذلك بعض المواضيع الصحية وأسئلة مقترحة لمنقاش بما يتلاءم مع توجه المؤلفة في المواضيع الصحية الأخرى، إذ أن هذا الكتاب لا يحتوي على معلومات تفصيلية للمواضيع الصحية بل على النقاط الأساسية لمواضيع:

1- خطة التدربب: سياسة الدولة والأنظمة الإدارية والمالية
يعتمد نجاح التدريب بصورة أساسية على وجود خطة شاملة بدءا ً بالتخطيط والتنفيذ مرورا ً بالتقييم وانتهاء بالمتابعة الإشراف. ولكي تكون الخطة فعالة يجب أن نأخذ بالإعتبار السياسة الحالية والمستقبلية للحكومة بالنسبة للدايات: هل ترغب في تنمية كفاءة الدايات ضمن المهنة التقليدية الحالية؟ أم أن هناك خطة لتحويلهن تدريجيا ً إلى عاملات صحيات مرتبطات بشكل أو بآخر بالمراكز الصحية الموجودة في المنطقة؟ وفي كلنتا الحالتين يترتب إيضاح قوانين العمل التي ستخضع لها الداية، وايضاح هيكلية علاقتها التسلسلية بالعاملين في المركز الصحي والوحدة الصحية, وخصوصا ً علاقتها بالمرشدة الصحية.

كذلك لا بد لواضعي خطة التدريب من التساؤل عما إذا سبق للدولة أن قامت بدراسة أو مسح عام للدايات: أعدادهن، كفاءاتهن، مستواهن العلمي، طرق اكتسابهن الخبرة وممارستهن. ولا بد من التساؤل عما إذا كانت مهنة الداية تدخل في نمط كسب العيش أم هي خدمة تؤديها الداية في بيئتها لقاء مكافآت غير محددة ماديا ً وذات مردود معنوي واجتماعي؟

ومهما كان الوضع السابق للداية من الناحية المادية فإنها حين تطلب للتدريب لا بد من إيضاح الجانب المالي للدورة. وكذلك النتائج المادية المترتبة عنها. إذ غالبا ً ما يحدث سوء تفاهم في هذا الصدد. فالداية التي تترك قريتها وتلتحق بالتدريب تعلق على هذا التدريب آمالا ً كبيرة، كأن يصبح لها مرتب ثابت من الحكومة فيما بعد. وكذلك ينظر مواطنوها إلى المسألة ويغبطونها لهذا المرتب الشهري المفترض! وقد يكف البعض عن دفع المكافأة التي كانوا في ما مضى يدفعونها لها لقاء التوليد. وهكذا وبسبب سوء التفاهم هذا تخسر الداية موردها المادي البسيط. لذا يتوجب على منظمي الدورة شرح هذه المسألة ليس للداية فقط بل لمسؤولي القرية أو المنطقة التي تعمل فيها أيضا ً.

ومن الضروري أيضا ً تحديد مسألة الشهادة عند التخرج، ومحاولة تصنيفها طبقا ً للوائح والأنظمة الداخلية للجهة التي تمنح هذه الشهادة. وتوضيح صلاحية الشهادة للدايات. هل هي معادلة لشهادة أخرر في نظام الوزارة أم هي مجرد إفادة حول المشاركة في الدورة؟

2- تخطيط التدريب وملاءمته مع واقع الدايات
آ- تراعي المدربة في تخطيط الدورة عدد الدايات (الجدات) اللواتي سيشاركن في الدورة والمجموعة القليلة العدد تتيح للدايات فرصا ً أكبر للإستفادة من التدريب. على الصعيد النظري تتاح لهن فرصة المناقشة وإبداء الرأي دون الخجل أو الحذر الذي تسببه المجموعة الكبيرة. كما يمكن للمدربة أن تأخذ المزيد من الوقت والإهتمام بكل متدربة بمفردها للتأكد من صحة استيعابها وامتحان مدى هذا الإستيعاب عبر الأسئلة والمناقشة.

والمجموعة القليلة العدد مفيدة بصورة خاصة في التدريب العملي:
المختبر، حضور الولادات، فحص الحوامل.. وغيرها من الأنشطة العملية الضرورية لتحسين مهارة الدايات.

ب- تراعي المدربة مختلف مؤهلات الدايات وظروفهن: مستوى التعليم، الخبرة، عدد الدورات التي حضرنها سابقا ً ومضمون هذه الدورات والمهارات التي كسبنها منها. وكذلك تراعي مسألة السن والحالة الإجتماعية وعدد الأولاد والفترة المناسبة لهن للتدرب (خلال الصيف أو الشتاء إلخ ...) وطول هذه الفترة (المدة الزمنية) وتناقش مع الدايات مسألة المكان المحدد للدورة، قربه أو بعده عن السكن الأصلي. وعلى ضوء ذلك تناقش مسألة طرق المواصلات والتعويضات اللازمة والمعيشة وغيرها من المسائل الحيوية بالنسبة للدايات وامكانية استمرارهن في الدورة.

3- ننفبذ الدورة ومعالجة (المواضيع)
تغطي كل دورة المواضيع اللازمة لمضمونها. وتحدد هذه المواضيع سلفا ً وقبل وضع برنامج الدورة. ومن الضروري إجراء اختبارات مصغرة لهذه المواضيع وكذلك سؤال الدايات رأيهن وحاجاتهن للتركيز على موضوع ما وإعطاء الأولوية للنواحي التي يظهرن فيها ضعفا ً في المهارة أو المعلومات.

كما تحضر المواد التعليمية اللازمة من كتب ومنشورات ورسوم وصور وألعاب ودمى ومختلف وسائل الإيضاح، المحلية منها وغير المحلية, وينظر في صلاحية هذه الوسائل وملاءمتها مع مؤهلات المتدربات. ومن المفيد إجراء اختبارات على وسائل الإيضاح للتأكد من تآلف المتدربات مع عناصرها. وهنا أذكر حادثة مفيدة تتعلق بهذ الموضوع . ففي إحدى الدورات عرضت على المتدربات صورة إمرأة ترضع إبنها وذلك في مجال تشجيع الأمهات على الرضاعة الطبيعية. وقد ارتأى الرسام أن يضيف إلى الصورة نقاطا ً صغيرة توضح التفاصيل وتعطيها رونقا ً خاصا ً. سألت المتدربات عما يوحي إليهن هذا الرسم فأجبنني بأن الأم والطفل مصابان بمرض جلدي وأن النقاط الصغيرة هذه هي حبوب ظهرت على الجلد.

4- تقييم الدورة
لا شك في أن لكل دورة فائدتها. ولكن، ولضمان المزيد من الفائدة, لا بد من تقييم الدورة. والتقييم يبدأ من الدورة ذاتها: فتسأل الدايات عن رأيهن بكل مرحلة من مراحل الدورة والمسائل المتعلقة بالمواضيع والتدريب العملي وبطريقة التدريب أيضا ً. وتسجل المدربة الملاحظات. هذه الطريقة مفيدة للدورات اللاحقة من خلال عادة النظر ببعض المسائل أو إضافة مواضيع وتمرينات عملية أخرى.

ومن الطرق المفيدة لتقييم الدورة المقارنة بين معلومات ومهارات الدايات في بدء الدورة وفي نهايتها. فإذا تبين نقص ما في استيعاب بعض المواضيع يشار إلى هذا النقص لتعويضه فى مراحل أخرى.

5- المتابعة والإشراف
من أهداف المتابعة بعد الدورة تثبيت المعلومات والمهارات التي كسبتها الدايات في أثناء الدورة. غياب المتابعة والإشراف قد يؤدي إلى نسيان بعض المهارات المكتسبة. ومن المستحسن أن تكون المتابعة بصورة دورية في المركز الصحي (الوحدة الصحية) أو في قرية الداية. هذه الطريقة في المتابعة والإشراف تجدد ثقة الداية بالمركز الصحي وتقوي الروابط بينهما وتدعمها بالمواد والمعلومات الجديدة. وفي ذلك فائدة كبرى للدايات وتأكيد على أن التدريب قد تكلل بالنجاح.

إن مجموع هذه المراحل، بدءا ً بالتحضير لخطة التدريب وانتهاء بالمتابعة هي مفيدة أيضا ً للمسؤولين عن التدريب لامتحان مدى نجاح الخطة والبرنامج والطرق التي اتبعوها في عملهم.

آمل أن يحقق هذا الكتاب هدفه في مساعدة القابلات والمدربات في الرعاية الصحية الأولية على تدريب الدايات من أجل ولادات صحيحة وسليمة وعلى نشر الوعي الصحي في البيئة التي يعملن فيها.

تحية طيبة للمؤلفة مورين وليامس، فهو على قلة صفحاته، ثمرة قيمة لتجربة المؤلفة في بعض من بلدان العالم الثالث.

وشكر خاص إلى صديقتي د. رجاء نعمة, التي أغنت هذا العمل بقدراتها الأدبية وخبرتها في شؤون المرأة والطفل.

نجوى القصيفي