مقدمة الطبعة العربية

ما زال خطر انتشار مرض الإيدز/السيدا يزداد سوءاً خاصة في أفريقيا وبشكل متزايد في آسيا وباقي بلدان العالم.
فقد شهد العام 2003 حوالي خمسة ملايين إصابة جديدة بفيروس الإيدز و3 ملايين حالة وفاة من مرض الإيدز، بحيث أصبح عدد المصابين في العالم حوالي 40 مليون إصابة منها 28 مليون إصابة في أفريقيا وحدها.

أما في البلدان العربية، فما زال الحديث عن الايدز يكاد يكون محرّماً في كثير منها، حتى أنّ البعض يتصرّف كالنعامة فيظن بأن الإيدز مرض لا يصيب إلا الأجانب وذوي "الأخلاق السيئة" فقط. كما يرفض الكثيرون الاعتراف بأن العلاقات الجنسية المِثْلية واقعٌ قائم في البلدان العربية مثلها مثل باقي بلدان العالم. والحقيقة أن الإيدز مرضٌ مثل كل الامراض يصيب الناس من كل الأجناس والجنسيات والأعمار والأديان والمعتقدات: يصيب ذوي "الأخلاق الحميدة" بقدرما قد يصيب ذوي "الأخلاق السيئة".

في نهاية عام 2003 قْدّر عدد الاصابات الجديدة في البلدان العربية بحوالي 55000 إصابة وحوالي 42000 حالة وفاة، بحيث أصبح عدد المصابين بفيروس الإيدز ما بين 450,000 و730،000 إصابة منها 400،000 حالة في السودان الذي يضمّ العدد الاكبر من المصابين الذين يشكلون 1.2% من عدد السكان. أما جيبوتي فتضمّ أعلى نسبة إصابات بالنسبة لعدد السكان وهي 2.9%. وتشير التقارير إلى أنّ 55% من الاصابات في بعض البلدان العربية هنّ من النساء وأن ما بين 10 إلى 21% من الإصابات هم من الرجال المثليين. إلا أنّه من الصعب معرفة عدد حالات الإصابة بفيروس ومرض الإيدز في البلدان العربية بدقة لسببين:


1.ضعف أنظمة رصد وتسجيل الاصابة بالفيروس والمرض.
2.غياب التبليغ الدقيق عن الاصابات الذي يصل الى حدّ الإنكار من قبل المصابين وأهلهم لأن الإيدز يرتبط في أذهان العامة بالعار والانحراف الجنسي.

أدّى ذلك الى تضارب في المعلومات والأرقام، وعلى سبيل المثال ففي حين كانت معلومات "برنامج مكافحة الإيدز التابع للأمم المتحدة" تشير عام 2002 الى وجود 8100 إصابة في مصر، كانت المصادر المصرية الرسمية تصر على أنّه لا يوجد أكثر من 1300 إصابة.
يبيّن الجدول التالي عدد حالات الإيدز ونسبة الحالات إلى عدد البالغين وعدد الوفياّت الناجمة عن الأيدز في كلّ من البلدان العربية، كما هي واردة في إحصائيات برنامج الأمم المتحدة المشترك للأيدز لعام 2004:

عدد الوفيات

نسبة الحالات

عند البالغين

عدد حالات الايدز حتى عام 2003

عدد السكان

البلد

-

0.1

15,000

31,064,000

المغرب

<500

0.6

9,500

2,980,000

موريتانيا

23,000

2.3

400,000

34,333,000

السودان

-

0.1

12,000

20,733,000

اليمن

-

-

-

24,919,000

المملكة العربية السعودية

-

0.3

10,000

5,659,000

جمهورية ليبيا العربية

<200

0.1

1,300

2,935,000

عُمان

-

-

-

619,000

قطر

-

-

-

790,000

جزر القمر

<200

0.2

<600

739,000

البحرين

690

2.9

9,100

712,000

جيبوتي

-

-

-

2,595,000

الكويت

-

-

-

10,312,000

الصومال

<200

0.1

2,800

3,708,000

لبنان

700

<0.1

12,000

73,390,000

مصر

<200

<0.1

1,000

9,937,000

تونس

-

<0.1

<500

25,856,000

العراق

-

-

-

3,051,000

الامارات العربية المتحدة

<500

0.1

9,100

32,339,000

الجزائر

<200

<0.1

600

5,614,000

الاردن

<200

<0.1

<500

18,223,000

سوريا

24**

-

400

3 , 0 , 23,84*

فلسطين

----------------------------------------------------------------------------
المصدر: Joint United Nations Programme on HIV/AIDS- 2004 Update
* الضفة الغربية وقطاع غزة
** ما بين عام 1986 و 2002

وفي حين يبقى الاتصال الجنسي هو الوسيلة الاساسية لنقل فيروس مرض الإيدزفي البلدان العربية، يتزايد خطر الإصابة بواسطة نقل الدم الملوّث لا سيّما في البلدان التي تفتقر الى أساليب الوقاية وفحص العيّنات قبل نقل الدم، كمثل حالات نزف الدم الوراثي(الهيموفيليا) في العراق الذين عولجوا بأحد مشتقات الدم التي كان العراق قد استوردها من فرنسا وتبيّن لاحقاً أنها ملوَّثة بالفيروس، و البلدان التي تزداد فيها جراحات الحرب الطارئة ونقل الدم المتكرر للجرحى، كما تتزايد الاصابات نتيجة تشارك الحقن لدى مدمني المخدرات.

ويفتقد العديد من البلدان العربية الى خطط الوصول الى المجموعات الأكثر عرضة للاصابة، كالمثْليين وعاملات الجنس، والى المجموعات التي من الممكن أن تكون أكثر عرضة للاصابة مثل المهاجرين الذين يسلكون طرق الهجرة غير الشرعية التي خطّتها التجارة المعولمة بين أطراف العالم سعياً وراء الرزق. حتّى أن الكثير من حملات مكافحة الإيدز تفتقد للترويج المؤثر لاستعمال الواقي الذكري فيها.

في السنوات القليلة الماضية، شكّل تطوّر الأدوية المضادة لفيروس الايدز خطوة هامة الى الأمام باتجاه تحسين فرص ونوعية الحياة للمحظوظين من المصابين الذين يستطيعون الوصول الى العلاج ودفع ثمنه. ورغم ذلك مازال الآلاف يموتون في العالم يومياً بسبب مرض الايدز. وتتحمّل شركات صناعة الأدوية المسؤولية الأساسية عن هذا العدد من الوفيات لرفضها جعل أسعار أدوية الايدز في متناول المرضى (خاصة في أفريقيا) رغم أن أرباحها الإجمالية تجاوزت 517 مليار دولار عام 2002. وتجدر الاشارة هنا الى المعركة القانونية التي خاضتها حكومة جنوب أفريقيا في وجه الشركات المصنعة لأدوية علاج الايدز للحصول على حق صناعة واستيراد وتوزيع هذه الادوية باسمائها الجنيسية (الأسماء العلمية أو الجينيريك- Generic) في مقابل تمسّك الشركات بحقوق الملكية واحتكار التصنيع (patents). وأدى نجاح الحكومة إلى توفير ملايين الدولارات على مرض الايدز في جنوب أفريقيا وأتاح لهم فرص الوصول الى العلاج على قاعدة حقوق المرضى في الوصول الى العلاج المناسب وليس على قاعدة القدرة على دفع الثمن الباهظ.

وكان بعض وزارات الصحة في البلدان العربية قد عقد اتفاقيات مع شركات تصنيع الادوية المضادة لفيروس الايدز من أجل الحصول على هذه الادوية باسعار منخفضة، ومنها لبنان الذي نجح في خفض سعر واحد من الادوية في القطاع الخاص وهو "الكريكسيفان" بحيث أصبحت تكلفة علاج مريض الايدز بهذا الدواء 218 دولار أمريكي شهرياً بعد أن كانت 1000 دولار، كما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن توفير الادوية المضادة لفيروس الايدز مجاناً للمرضى المحتاجين. لكن مشكلة الانقطاع المتكرر لفترات طويلة لأدوية مثل "الزيريت" ما زالت قائمة مما يعود فيضع مصير هؤلاء المرضى في مهب الريح.

ولا تقتصر مشاكل المصابين والمصابات بالايدز على الجانب الصحي وعبء المرض نفسه، بل تتجاوز ذلك الى المعاناة من الوصمة والتمييز والتهميش الإجتماعي وإنكار حقوقهم في المساواة والحياة الكريمة وتحديد حرية حركتهم وسفرهم وإنكار حقهم بالتعليم.

ففي حين تعلن دساتير البلدان العربية محاربتها للتمييز، لا تحاسب قوانين هذه البلدان أي ادارة أو شركة أو رب عمل يصرف مصاباً بالإيدزمن عمله، كما تمتنع شركات التأمين عن شمول المصابين بفيروس الإيدز أو بالمرض نفسه ضمن نظام تأميناتها الصحية.

كانت منظمة الصحة العالمية قد أطلقت مبادرة دعتها 3 في 5 (3 x 5) تهدف الى تقديم علاج ضد فيروس الإيدز لثلاثة ملايين من المصابين بالايدز في البلدان النامية بحلول نهاية عام 2005، وذلك باستخدام ثلاثة أنواع من الأقراص يمزج كل منها بين ثلاثة عقاقير في قرص واحد، بهدف تبسيط العلاج وإيصال الادوية المضادة لفيروس الإيدز الى فقراء العالم.

ورغم أهمية هذه المبادرة إلا أنها سوف تصل إلى 7,5 % من المصابين فقط في حال نجاحها، كما أنها تركز على الناحية العلاجية من رعاية المصابين بالإيدز فحسب وتغْفل التطرق الى الانظمة الصحية المعتمدة باتجاه اعادة الاعتبار لمنهج الرعاية الصحية الاولية واشراك المصابين أنفسهم في صوغ خطط العمل المتعلقة بشؤون صحتهم.

قد يكون مرض الإيدز واحداً من أكبر الكوارث التي واجهتها البشرية في تاريخها حيث أدى الى موت الملايين وتعاسة الملايين من الأحياء، ودمّر المجتمعات والعائلات، وأدى الى تراجع في التنمية والمكتسبات الصحية للبشرية.

ومازالت الآثار المدمرة الاقتصادية والاجتماعية التي تخلّفها الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية والتجارة المعولمة والسياسات الاقتصادية غير العادلة التي تؤدي إلى إفقار المزيد من سكان هذا الكوكب، تجعل المزيد من الناس عرضة للاصابة بهذا المرض الفتّاك، ليتأكّد يوماً بعد يوم أن مواجهة هذا الخطر الداهم لا تتم إلا بمواجهة مكونات الصحة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تؤدي أولاً وأخيراً الى مزيد من الفقر، وبأنّ المدخل الى رعاية مرض الإيدز هو حقهم كمواطنين عليهم ما تطلبه المواطنة من مسؤوليات لهم ما تقدمه من حقوق وفي مقدمتها الحق في الصحة.

هذا الكتاب هو دليلٌ شاملٌ يتطرّق إلى القضايا الأساسية التي تهم المصابين بفيروس الإيدز وعائلاتهم والعاملين الصحيين في مجتمعهم بلغة مبسّطة يمكن فهمها والإستفادة منها، وهو بذلك يستند إلى خبرات الكثيرين من المصابين أنفسهم والعاملين في هذا المجال.

الكتاب هو الخامس الذي تقوم ورشة الموارد العربية بترجمته وتعريبه من سلسلة كتب مؤسسة الهيسبيريان، بعد "كتاب الصحة للجميع حيث لا يوجد طبيب" و"كتاب الصحة لجميع النساء حيث لا توجد عناية طبية" و"رعاية الأطفال المعوقين" و"حيث لا يوجد طبيب أسنان"، ونحن نسعى لتوفيره للعاملين الصحيين والإجتماعيين والكادر الطبي ومرضى الإيدز وعائلاتهم وكل المهتمين بهذا الشأن بغية تمكينهم من أخذ شؤون حياتهم بأنفسهم في مواجهة هذا المرض الفتاك.

تنطلق الورشة بهذا من أن "الصحة هي حالة إكتمال السلامة بدنياً وعقلياً وإجتماعياً لا مجرد إنعدام المرض أو العجز. وهي حق ٌ أساسي من حقوق الإنسان"، وأن بلوغ أرفع مستوى صحي ممكن، هدف من أهم الأهداف الإجتماعية على الصعيد العالمي، وأن تحقيق هذا الهدف يتطلّب بذل جهود من جانب العديد من القطاعات الإجتماعية والإقتصادية الأخرى بالإضافة إلى القطاع الصحي ، ذلك أن اللامساواة والفقر والإستغلال والإضطهاد والتمييز والعنف والحروب هي أسباب جذرية لاعتلال الصحة والوفيات بين فئات الناس، كما عبر عن ذلك إعلان آلما آتا للرعاية الصحية الأولية عام 1978 ، وشرعة "حركة صحة الشعوب" في بنغلاديش عام 2000 وإعلان "مومباي" في الهند عام 2004 و"شرعة الشعوب حول فيروس فقدان المناعة المكتَسَب والإيدز" في بانكوك عام 2004 .

تضيف الورشة بذلك مورداً هاماً إلى الموارد المطلوبة في هذه المواجهة، وفي نفس الوقت تدعو الورشة كل الذين سوف يستخدمون هذا الدليل إلى تزويدها بتعليقاتهم وملاحظاتهم وخبراتهم كي تضمها إلى الخبرات الأخرى في معركة القضاء على الإيدز.

الدكتور غسّان عيسى
ورشة الموارد العربية


الأيدز والصحة والناس

اسم المستخدم