بماذا يختلف هذا الكتاب عن غيره؟

بماذا يختلف هذا اكتاب عن غيره ؟

كتب هذا الكتاب "من تحت الى فوق " ومن خلال التعامل عن قرب مع المعوقين وعائلاتهم . ونحن نعتقد ان الذين يمتلكون الخبرة الشخصية الأكبر في الإعاقة هم المؤهلون ليصبحوا المسؤولين الرئيسيين عن حل مشكلات المعوقين وحاجاتهم . كما نعتقد ان عليهم أن يلعبوا هذا الدور الرئيسي.

والواقع ان المؤلف الرئيسي لهذا الكتاب ، ديفيد ورنر، وكثيرأ من المساهمين فيه هم من المعوقين . نحن لا نفخر بذلك ولا نخجل منه ، لكننا نعرف ان إعاقاتنا ساهمت بطريقة ما في تطوير قدراتنا وامكاناتنا .

في الكثير من كتب التأهيل يجري التعامل مع المعوقين "كأشياء" يجب العمل عليها أو "تصحيحها" أو جعلها "طبيعية " قدر الإمكان . ونحن كمعوقين نرفض أن يضعنا الخبراء في قالب "التطبيع "، فالسلوك "الطبيعي" في مجتمعنا غالبأ ما يكون سلوكاً أنانيأ وجشعأ محدود التفكير وقاسيأ بشكل عام تجاه الأضعف أو تجاه من يختلف عن الآخرين .

إننا نعيش في عالم غالبأ ما يكون الأمر "الطبيعي" فيه ، أو المقبول ، هو أن يعيش الأغنياء على حساب الفقراء وأن يكسب الأخصائيون الصحيون أضعاف ما يكسبه أولئك الذين ينتجون لهم طعامهم ولكنهم يعجزون عن دفع تكاليف خدماتهم . إننا نعيش على سطح كوكب غني لا يستطيع معظم الأطفال فيه أن يحصلوا على ما يسد رمقهم ، ونصف سكانه لم يروا طيلة حياتهم عاملأ صحيأ، كوكب يشكل الفقر فيه السبب الرئيسي للإعاقة وللوفاة المبكرة ، ومع ذلك فإن قادة هذا العالم ينفقون 50 مليار دولار كل ثلاثة أسابيع على العتاد الحربي وهو مبلغ يكفي لتوفير الرعاية الصحية الأولية لكل انسان على وجه الارض لسنة كاملة .

وبدلأ من "التطبيع " في إطار مثل هذه البنية الاجتماعية الموحشة الظالمة وغير المعقولة ، سيكون من الأفضل لنا - نحن المعوقين - أن نعمل معأ إلى جانب كل من يقاسي المعاملة غير العادلة ، في سبيل مجتمعات أكثر رفقأ وعدلأ وصحة .

لذا فإن هذا الكتاب الموسع يشكل أداة صغيرة للنضال لا من أجل تحرير المعوقين فحسب وإنما أيضأ من أجل تكاتفهم في بذل جهد أكبر لخلق عالم يكون الأهم فيه أن يكون الانسان "إنسانأ" لا أن يكون "طبيعيأ".. عالم لا يمكن فيه للحرب والفقر واليأس أن تعوق بعد اليوم أطفال الحاضر، قادة المستقل .

كثيرا ما تكتفي كتب التأهيل التي جرى إعدادها "من فوق الى تحت " بتوجيه الأوامر للمدرب المحلي ولأفراد الأسرة والمعوق مبينة بالتفصيل ما "يجب " عليهم أن يفعلوا، ونحن نرى ان هذا النهج يحد من إمكانية التحرك ويشجع الناس على وضع الطفل بشكل مطيع ضمن إطار محدد من "مخطط التأهيل " بدلأ من خلق مخطط يلائم الطفل ويحرره . ومرة بعد مرة نرى تطبيقا خاطئا ومؤلمأ وكثيرأ ما يكون ضارأ، للتمارين والدروس والأدوات ، وهذا ما يفعله عاملو إعادة التأهيل المحليون والاخصائيون على حد سواء لأنهم تعلموا أن يتبعوا التعليمات المعتادة أو الحلول الجاهزة مسبقا بدلا من الاستجابة بطريقة مرنة لاحتياجات الطفل ككل .

في هذا الكتاب نحاول ألا نقول لأحد ما يجب عليه أن يفعل ، لكننا عوضأ عن ذلك نقدم المعلومات والايضاحات والاقتراحات والأمثلة والأفكار، ونشجع النهج الخلاّق المغامر الذي يحمل على التفكير وحتى على اللعب ، لأن لكل طفل خصوصيته في النهاية ، وأكثر ما يساعده هو الأساليب والأنشطة التي تتلاءم مع قدراته واحتياجاته المحددة .

لقد بذلنا ما ني وسعنا لشرح المبادىء الأساسية وتوضيح الأسباب التي تدعو الى التصرف بطريقة معينة . وبعد أن يفهم عاملو التأهيل والأهل المبادىء الأساسية الكامنة وراء الأنشطة أو التمارين أو الأدوات المختلفة والخاصة بإعادة التأهيل يمكنهم المباشرة بالتكييفات اللازمة . ويستطيعون استعمال الموارد المحلية والفرص الخاصة المتوفرة ني منطقتهم ، حيث يعيشون ، بشكل أفضل . وهكذا يمكن توفير الكثير من أدوات وتمارين وأنشطة إعادة التأهيل بطرق تدمج الطفل اليومية في مجتمعه ولا تفصله عنها.

هذا الكتاب ليس الأول عن "إعادة التأهيل المبسطة "، وقد اعتمدنا على أفكار أخذناها من مصادر أخرى عديدة . ويهمنا هنا أن نعترف بفضل الكتاب الصادر عن منظمة الصحة العالمية بعنوان "تدريب المعوق في المجتمع الصغير" وكتاب اليونيسيف ومنظمة إعادة التأهيل الدولية : "اعاقة الطفولة : الوقاية وإعادة التأهيل على مستوى المجتمع الصغير" وهو عبارة عن ملخص محسن ومنقح من كتاب منظمة الصحة العالمية ، وقد أعيدت مؤخرأ كتابته بطريقة مبسطة تحث على إيجاد حلول للمشاكل بدلأ من مجرد اتباع التعليمات (أنظر المراجع في أخر الكتاب ).

ولا يقصد بهذا الكتاب أن يكون بديلأ من الكتب التي وضعت سابقا، لكنه يقدم جملة معلومات إضافية وهو موجه إلى العائلات والعاملين الصحيين والعاملين في إعادة التأهيل داخل المجتمع المحلي الذين يرغبون في إنجاز عمل أكثر كمالأ لمواجهة احتياجات الأطفال المعوقين جسديأ .

كيف قررنا اختيار أنواع الإعاقة؟

لم يكن من السهل أن نقرر ما يجب ان يضم هذا الكتاب من أنواع الإعاقات لأننا أردنا منه أن يكون دليلا للكثير من الناس في بلدان العالم ، ولأن أهمية الإعاقات متباينة وتختلف من بلد لآخر تبعاً لانتشار أنواع معينة منها في مناطق دون أخرى. وعلى سبيل المثال نذكر أن :
شلل الاطفال : هو الإعاقة الاكثر إنتشاراً في بعض البلدان ، ولكنه نادر في بلدان أخرى نتيجة لحملات التلقيح الناشطة.
الصمم (الطرش ) والتخلّف العقلي: يبقيان أكثر انتشاراً في مناطق جبلية معينة نظرأ لقلة اليود في الطعام ( أو في الملح).
فقدان البصر: الناجم عن نقص الفيتامين (أ) شائع في بعض المجتمعات الفقيرة المكتظة ، ويعود انتشاره بشكل أساسي الى العادات الغذائية المحلية .
كساح الأطفال (ريكتس): ما زال شائعاً في المناطق التي يلف فيها الأطفال أو يوضعون في أمكنة معتمة
لفترات زمنية طويلة بحيث لا يحصلون على ما يحتاجون اليه من ضوء الشمس .
تشوّهات الحروق : تكثر حيث لا يزال الناس يطهون وينامون على الأرض بالقرب من النار.
بتر الأعضاء: يعتبر مشكلة كبيرة في مناطق الحروب ومخيمات اللاجئين و<<مدن الصفيح >> على جانبي السكك الحديد.
الإعاقات الناجمة عن الإصابة بالسل والجذام والحصبة وسوء التغذية وسوء التمديدات الصحية تنتشر بشكل خاص حيث يؤدي غياب العدالة الاجتماعية الى أن يعش بعض الناس غارقأ ني الثروة بينما تعيش الاكثرية في فقر مدقع .

كذلك فإن المعتقدات المحلية تؤثر على الكيفية التي ينظر بها الناس الى الإعاقات المختلفة . ففي المناطق التي يعتقد الناس فيها أن نوبات الصرع هي من عمل الشيطان يمكن لهؤلاء الناس أن ينظروا الى الطفل المصاب نظرة تخوف ، وأن يضايقوه ، وربما أخفوه عن الأنظار. أما في المناطق التي يتقبل الناس فيها المرض على أنه "شيئ يحدث أحيانأ لأشخاص معينين"، فإنه يمكن للطفل المصاب أن يشارك كليأ في الحياة اليومية للمجتمع من دون أن ينظر إليه ك "معوق ". لكن كلآ الطفلين في الحالتين يحتاج الى العلاج ، وربما كان الطفل الذي يعامل معاملة سيئة وحده يحتاج إلى "إعادة تأهيل ".

ومن المهم هنا أن نأخذ في اعتبارنا كيف ينظر السكان المحليون الى طفل <<مختلف >> عن الآخرين بطريقة ما . كيف يتقبل الناس أو يعاملون الطفل الذي يتعلم ببط أويعرج قليلأ أويصاب بالصرع بين الحين والآخر؟

تشير تقارير كثيرة إلى أن واحدأ من كل عشرة أطفال ، في البلدان الفنية والفقيرة على حد سواء، هو طفل معوق . وعل العموم، فإن هذا الرقم قد يحمل على الالتباس . فبالرغم من أن طفلأ من كل عشرة أطفال قد يظهر قصورأ ما اذا ما فحص بعناية ، نجد أن معظم حالات القصور هذه خفيفة الى درجة أنها لا تؤثر على قدرة الطفل على أن يعيش حياة كاملة وناشطة . وفي المناطق الريفية نجد أن معظم الأطفال الأقوياء جسديأ، الذين يتعلمون ببطء يندمجون في الحياة ويعملون في القرية من دون أن يلاحظهم أحد. ووجدت دراسة أجريت في الهند أن واحدأ فقط من أصل سبعة من مثل هؤلاء سجل في اختبارات المسح عل أساس أنه متخلف عقليأ فكان يعتبر كذلك فى مجتمعه .

وأظهرت دراسات أجريت في بلدان عديدة أن طفلين أو ثلا ثة من كل مئة طفل ، في المتوسط، يعتبرون معوقين داخل مجتمعاتهم . وهؤلاء هم الأطفال الأكثر استعدادأ للاستفادة من برامج "إعادة التأهيل ".

تحذير : اذا كان المجتمع لا يعتبر الطفل "معوقاً" وكان بإستطاعة هذا الطفل أن يتدبر أموره بشكل جيد، فقد لا يكون من الحكمة لفت الانتباه الى وضعه ، لأن ذلك قد يزيد من "إعاقته "في نظر مجتمعه ويجعل الحياة أصعب بالنسبة إليه . لذلك، فكّر جيدأ قبل أن تقرر إجراء " مسح شامل " عن الإعاقة .

عندما بدأنا هذا الكتاب قررنا أن يقتصر فقط على الإعاقلت الجسدية. وكان هذا القرار لأن القرى المعنية والعاملين في ريف المكسيك اعتبروا ان الاعاقات الجسدية في الريف هي التي تتطلب العناية الأكبر.

وهذا أمر مفهوم . ففي المجتمعات الزراعية التي يعتمد الكثير من الأعمال اليومية فيها على القوة الجسدية ، وحيث لا يلتحق الاطفال بالمدرسة لفترة طويلة ، يمكن للطفل المعوق جسديأ أن يعاني صعوبات عديدة في الإندماج . لكن الامر على العكس من ذلك في أحياء المدينة التي تقطنها الطبقة المتوسطة ، حيث يحكم على الأطفال أساسأ استنادأ إلى قدراتهم في المدرسة ، وحيث يعاني الطفل البطيء الفهم ، عادة ، أكثر من غيره .
ولقد ركز فريق العاملين مع المعوقين في ريف المكسيك ، في البداية ، على الإعاقات الجسدية أكثر من غيرها . ولكن سرعان ما لاحظ أعضاء الفريق أن عليهم أن يتعلموا أمورأ أخرى تتعلق بباقي الإعاقات . وحتى الأطفال الذين كانت مشكلتهم الرئيسية مشكلة جسدية ، كشلل الأطفال ، كثيرأ ما كانوا يعانون إعاقات أخرى (ثانوية ) عاطفية أو اجتماعية أو سلوكية . وكذلك فإن الأطفال المصابين بتخلف دماغي لا يعانون صعوبات في الحركة وحسب بل يعانون أيضأ بطئاً في التعلم أو يصابون بنوبات مرضية ، أو أنهم لا يرون أو لا يسمعون .

وكان هذا الكتاب ينمو مع تزايد الحاجة لدى فريق مشروع <<بروخيمو>> PROJIMO الى معلومات حول الاعاقات المختلفة . ويبقى التركيز الرئيسي على الإعاقات الجسدية التي يغطيها الكتاب تغطية أوسع تفصيلأ .

وعلى العموم ، فإن الكتاب يحتوي على تغطية شبه كاملة (وإن بتفاصيل أقل ) للتخلف العقلي وتأخر التطور(بطء التعليم). كما يغطي الكتاب أيضأ نوبات تاصرع (إبيلبسي).

الى ذلك ، يغطي الكتاب أيضأ فقدان البصر والصمم ، ولكن باختصار شديد، وبطريقة المبتدئين. ويعود هذا جزئيا الى أننا، في فريق "بروخيمو"ا، ما زلنا لا نتمتع بكثير من الخبرة في هذا الميدان ، كما يعود الى أن إعاقات السمع والبصر تحتاج الى كثير من المعلومات الخاصة في كتب منفصلة . وهناك مادة تعليمية جيدة متوفرة حول هذه الاعاقات ، وخصوصأ حول العمى، وقد أدرجنا بعض أفضل مراجع هذه المادة في الصفحتين 639و640.

ملاحظة: لا يتضمن هذا الكتاب الاعاقات التي تقع بشكل رئيسي في نطاق الأمراض الداخلية مثل الربو وأمراض الرئة المزمنة والحساسيات الحادة وقصور القلب والسكري ومشاكل النزبف والسرطانات. ولا يتضمن كذلك (باستثناء اشارات موجزة ) الاعاقات ذات الطابع المحلي جدأ مثل التسمم بالجلبان (في بعض أرجاء الهند). ومتعين على العاملين في التأهيل في المناطق المحلية التي توجد فيها مثل هذه الاعاقات أن يحصلوا على المعلومات بشكل منفصل وبطرقهم الخاصة .

ولتقرير أنواع الإعاقات التي يجب أن يتضمنها الكتاب ومدى الأهمية التي يتعين اعطاؤها لكل منها، لجأنا الى استخدام معلومات مستقاة من مصادر عديدة ، بما في ذلك سجلات مشروع "بروخيمو" في المكسيك . ولقد جدنا أن أعدادأ من الأطفال ذوي الاعاقات المختلفة الذين جاؤوا الى "بروخيمو"، كانوا يشبهون الى حد كبير أولئك الذين تتحدث عنهم دراسات منظمة الصحة العالمية واليونيسيف ودراسات أخرى أجريت في مناطق مختلفة ن العالم .

ويشير الرسم البياني في الصفحة التالية الى عدد الأطفال المصابين بالإعاقة نفسها في منطقة قروية نموذجية . ( طبعأ، لا يوجد في الطبيعة ما يمكن أن يسمى قرية <<نموذجية >>، ولا بد أن تكون أنماط الإعاقة في بعض المناطق مختلفة تمامأ عن تلك المبينة في الرسم البياني) . ويعتمد الرسم البياني أساسأ على سجلاتنا في <<بروخيمو>> على مدى 3سنوات .

ويلاحظ أن عدد الأطفال في كل إعاقة في الرسم البياني يتطابق إلى حد ما مع الأهمية النسبية التي أعطيناها لكل إعاقة في هذا الكتاب ولكن هناك استثناءات في حالات معينة وعلى سبيل المثال ، فإن أشخاصأ قليلين جاؤوا الى <<بروخيمو>> مصابين بالجذام ، ولكننا أوردنا فر الكتاب فصلأ مطولأ عن الجذام لأننا نعرف أنه مشكلة كبرى في بعض الأماكن .

مهم: الإعاقات الواردة في هذا الكتاب هي الأكثر انتشاراً في المناطق الريفية من بلدان عدة، لكن هذا لا يشمل كل الإعاقات. كذلك فإنه قد يصعب تمييز بعض الإعاقات أو أنها تتطلب اختبارات أو تحاليل خاصة. وعندما تقع في حيرة من أمرك حاول أن تطلب نصيحة من هم أكثر دراية وتأهيلاً وخبرة.

ومن الواضح أنك لن تستطيع حل كل المشاكل ، ولكن يمكنك ان تفعل الكثير. فمن خلال توجيه الأسئلة وفحص الطفل بعناية ، واستخدام أية معلومات أو مصادر يمكنك العثور عليها ، ستكون قادرأ على معرفة الكثير عن احتياجات هؤلاء الأطفال وعلى تصور واستنباط الطرق الأفضل لمساعدتم.